الشيخ محمد رشيد رضا

320

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أعمارهم كما يدل عليه التعبير بالمضارع ، وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى الكفر وسيأتي مثله في هذه السورة ( آية 102 ) وفي غيرها وظاهر هذا التقسيم أنه لفريقي المؤمنين على تفاوت درجاتهم في الفلاح ، والكافرين على تفاوت دركاتهم في الخسران ، فان من مات مؤمنا فهو مفلح وان عذب على بعض ذنوبه بقدرها ، فهذا الوزن الاجمالي الذي يمتاز به فريق الجنة وفريق السعير ، وهنالك قسم ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتي ذكرهم في هذه السورة ، ويتبع الوزن الاجمالي الوزن التفصيلي للفريقين ولكن بعض العلماء يقولون إن الوزن للمؤمنين خاصة لأنه تعالى قال في الكافرين ( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) وأجاب الآخرون بأن معناه ما تقدم آنفا في بحث الوزن في اللغة من أنه لا يكون لهم قيمة ولا قدر ، وهو لا ينفي وزن أعمالهم وظهور خفتها وخسرانهم ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى من سورة المؤمنين ( 23 : 103 فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 104 وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ 105 تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 106 ) أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) ومن المستغرب أن شيخ الاسلام ابن تيمية قال بعد ذكر آيتي الموازين في الثقل والخفة من سورة المؤمنين : ان الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته إذ لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويرون بها ويجزون بها ، وهو سهو سببه واللّه أعلم ما كان علق بذهنه من هذا القول ، وما من كافر إلا وله حسنات ولكن الكفر يحبطها فتكون هباء منثورا ، وهي تحصى مع السيئات وتضبط بالوزن الذي به يظهر مقدار الجزاء وتفاوتهم فيه واستدلوا على تخفيف العذاب عن الكافر بسبب عمله الصالح بما ورد في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بما كان من حمايته للنبي « ص » وحبه له ، وزعم بعضهم أن ذلك خاص به ويصح أن تكون الخصوصية في نوع التخفيف ومقداره ، إذ من المتفق عليه والمجمع عليه ان عذاب الكفار متفاوت ولا يعقل أن يكون عذاب أبي جهل كعذاب أبي طالب لولا الخصوصية واللّه تعالى يقول ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) ومن المشاهد في كل زمان ان من الكفار من يحب اللّه ويعبده ولا يشرك به - والمشركون منهم انما أشركوا معه غيره في الحب والعبادة كما